محمد عبد الكريم عتوم

176

الأنموذج الإسلامي للتربية السياسية المعاصرة

باختلاف الزمان والمكان ، بل يستهدف الأنموذج العمل على التقريب بين المذاهب وترسيخ القواسم المشتركة نحو وحدة الأمة الإسلامية ، لمواجهة الاستبداد والظلم والتحديات المختلفة . إن الإيمان بعدم وجود اختلاف بين أهل السنة والجماعة وبين الشيعة الإمامية ، في الأصول والأساسيات يعتبر البداية الصحيحة للتقارب ، وأما بالنسبة للاختلافات في الفروع فيجب دراستها دراسة علمية من خلال مؤسسات علمية تضم مختلف علماء المذاهب بصورة موضوعية وجادة وبعيداً عن الأهواء والتأثيرات . وقد لاحظ الباحث ، وخلال فترة طويلة من البحث والتنقيب أن كثيرا من مظاهر التعصب والتناحر بين أتباع المذهبين لا أساس لها ، وأن مردها هو أن أتباع كل مذهب جهلوا ما لدى غيرهم بوجه عام ، وحصروا أنفسهم بدائرة المؤلفات المذهبية الخاصة التي يدرسونها ويعتبرونها وحدها المرجع الوحيد لهم . وقد تنبه لهذا الخطر عدد من الفقهاء النابهين وحذروا منه " إن تعويد الطالب على ألّا يطلع إلا على مذهب واحد ربما يكسبه ذلك نفوراً وإنكاراُ لكل مذهب غير مذهبه ما دام لم يطلع على أدلته فيورثه ذلك حزازة في الاعتقاد في فضل أئمة أجمع الناس على فضلهم وتقدمهم في الدين وخبرتهم بمقاصد الشرع وفهم أغراضه " « 1 » . وهو ما يؤكده فقيه آخر بقولة " ينبغي لمن اشتغل بالفقه ألا يقتصر على مذهب إمام ويعتقد في كل مسألة ما كان أقرب إلى دلالة الكتاب والسنة المحكمة ، وذلك سهل عليه إذا أتقن معظم العلوم المتقدمة ، وليتجنب التعصب ، والنظر في طرائق الخلاف المتأخرة ، فإنها مضيعة للزمان ، ولصفوه مكدرة " « 2 » . وبالتالي فإن الأنموذج يؤكد على القواسم المشتركة بين أهل السنة والجماعة وبين الشيعة الإمامية ، حيث يؤكد كل منهما على الأصول الأساسية للدين الإسلامي ، وبذلك تكون المذاهب الإسلامية بمثابة مراكز إشعاع ومدارس فكرية وعلمية متنوعة في نطاق الإسلام .

--> ( 1 ) - الشاطبي ، الموافقات ، ج 2 ، 273 . ( 2 ) - الإمام أبو شامة ، حجة الله البالغة ج 1 ص 327 .